صديق الحسيني القنوجي البخاري

20

فتح البيان في مقاصد القرآن

فَلْيَتَّقُوا يعني في الأمر الذي تقدم ذكره . قالت طائفة : المراد جميع الناس أمروا باتقاء اللّه في الأيتام وأولاد الناس وإن لم يكونوا في حجورهم ، وقال آخرون : إن المراد بهم من يحضر الميت عند موته أمروا بتقوى اللّه ، والتقوى مسبّبة عن الخوف الذي هو الخشية فلذلك ذكرت فاء السببية ، ففي الآية الجمع بين المبدأ والمنتهى وَلْيَقُولُوا للمحتضر قَوْلًا سَدِيداً صوابا من إرشاده إلى التخلص عن حقوق اللّه وحقوق بني آدم ، وإلى الوصية بالقرب المقربة إلى اللّه سبحانه ، وإلى ترك التبذير بماله وإحرام ورثته كما يخشون على ورثتهم من بعدهم لو تركوهم فقراء عالة يتكففون الناس . وقال ابن عطية : الناس صنفان يصلح لأحدهما أن يقال له عند موته ما لا يصلح للآخر ، وذلك أن الرجل إذا ترك ورثته بأنفسهم أغنياء حسن أن يندب إلى الوصية ويحمل على أن يقدم لنفسه ، وإذا ترك ورثته ضعفاء مفلسين حسن أن يندب إلى الترك لهم والاحتياط فإنّ أجره في قصده ذلك كأجره في المساكين . قال القرطبي : وهذا التفصيل صحيح والمعنى وليخش الذين صفتهم وحالهم أنهم لو شارفوا أن يتركوا خلفهم ذرية ضعافا وذلك عند احتضارهم خافوا عليهم الضياع من بعدهم لذهاب كافلهم وكاسبهم ، ثمّ أمرهم بتقوى اللّه والقول السديد للمحتضرين أولا ، ولأولادهم من بعدهم على ما سبق . إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى استئناف جيء به لتقرير ما فصل من الأوامر والنواهي يتضمن النهي عن ظلم الأيتام من الأولياء والأوصياء ظُلْماً حراما بغير حق إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً المراد بأكل النار ما يكون سببا للنار تعبيرا بالمسبب عن السبب ، وقد تقدم تفسير مثل هذه الآية ، والمعنى سيأكلون يوم القيامة ، وهذا على المجاز ، وقيل بطونهم أوعية للنار بأن يخلق اللّه لهم نارا يأكلونها في بطونهم ، وهذا على الحقيقة ، وقيل غير ذلك . قال السدي : يبعث آكل مال اليتيم يوم القيامة ولهب النار يخرج من فيه ومن مسامعه وأذنيه وعينيه وأنفه يعرفه من رآه بأكل مال اليتيم ، وإنما خص الآكل بالذكر وإن كان المراد سائر أنواع الإتلافات وجميع التصرفات المتلفة للمال لأن الضرر يحصل بكل ذلك لليتيم ، فعبّر عن الجميع بالأكل لأنه معظم المقصود ، وذكر البطون للتأكيد كقولك رأيت بعيني وسمعت بأذني . وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً بأكلهم أموال اليتامى ، وقرىء سيصلون من التصلية لكثرة الفعل مرة بعد أخرى ، وقرأ الباقون بفتح الياء من صلى النار يصلاها ، والصلا هو التسخن بقرب النار أو بمباشرتها ، والسعير الجمر المشتعل ، وقيل النار الموقدة . أخرج ابن أبي شيبة وأبو يعلى والطبراني وابن حبان في صحيحه وابن أبي حاتم